بداية جديدة ليست ككل البداية، استحضار اللحظات ليس مجرد عبث بالذاكرة بل هو في حقيقته عبث بالوجود، الزمن له حضور مخاتل، فهو محور ومدار كل حديث، هو السؤال الحاضر باستمرار، والمطلب المتجدد، الزمن حركة متوقفة، نحيب صامت، همس مدوي، الترقب والقلق لهما قدرة أزلية على تحويل الدقائق والساعات لمعزوفة تقطر حزنا ودموعا.
كنا أول الداخلين إلى حجرة 5، ومن تم توافدت وجوه شاحبة، تباعدت بها المسافات وتعطلت المشاعر، أذكر وجه الساعدي وجمال الرقيق وخالد الدوادي ومحفوظ والشيخ عبدالله السوداني، لم يكن هناك مايجمع بين هذه الوجوه إلا الحظ العاثر، لن أستطيع أن أجد تفسيرا أكثر منطقية من ذلك لحالة مفارقة مسكونة بالفوضى، من مفارقات ذلك اليوم أن جل من كان بالحجرة أعمارهم لم تتجاوز العشرين، الشيخ عبدالله السوداني مغترب يدرس اللغة العربية بصبراته لم يعجب أحد المراهقين القاطنين بتلك المنطقة، فانتهى به المطاف بسجن ابوسليم. في داخل الفوضى واللامنطق تلك كانت بذور معنى جديد لكل شيء تتشكل في الأفق.
كان الشعور الذي يملأ المكان في الأيام الأولى هو أن هذا الوضع لن يطول بضع أيام وينكشف الغبار كان الجميع يحاول أن يسكن الأمل ويتواصل بالثقة، وكانت اللمحات والأشارات التي تعكس غير هذا المعنى تقمع وتنبذ، كانت حالة العجز الشديد تتحول في ذلك المكان إلى شعور بالتوكل والإيمان، رغم أن نفس الشعور مع التقادم ولد نقيضه، شعور باليأس وانعدام الحيلة، أنه فضاء العبث باللاشعور . .لاأستطيع أن أصف التلاطم والفراغ كيف أستطعا أن يتعايشا في داخلي في الأيام الأولى، عندما تتجلى تلك الحقيقة المرعبة وهي أن بإستطاعة شخص ما أن يسلبك كل حياتك، ويوقف كل نوابض الحركة بداخلك، ويدخلك في دوامة ترقب، مثل هذا التجلي يكشف أن الإنسان والمعنى بداخلك أشياء تسكن على قارعة طريق في حي مهجور لا يقطنه أحياء. كان التغيير قد طال كل شيء في حياتنا، الأكل له توقيت، ولكل نصيبه، ، نتقاسم أرغفة الخبز، نجرب الجوع، كانت الألحفة مزيج من الغبار وبعض القماش المهترىء، كانت البدل التي نرتديها لاتقي ولاتحمي من برد أو حر. نمط حياة منزوع منه كل مايمكن أن يجعلك تحس بالألفة والارتياح، لكن مايجعل حياة السجن أمر مطاق هو تبلد الشعور وحالة الانفصام التي تعطيك القدرة على استنطاق كل شيء واستنتاج قرب موعد الانفراج.


