Sunday, January 3, 2010

عبث الذاكرة - 4


بداية جديدة ليست ككل البداية، استحضار اللحظات ليس مجرد عبث بالذاكرة بل هو في حقيقته عبث بالوجود، الزمن له حضور مخاتل، فهو محور ومدار كل حديث، هو السؤال الحاضر باستمرار، والمطلب المتجدد، الزمن حركة متوقفة، نحيب صامت، همس مدوي، الترقب والقلق لهما قدرة أزلية على تحويل الدقائق والساعات لمعزوفة تقطر حزنا ودموعا.
كنا أول الداخلين إلى حجرة 5، ومن تم توافدت وجوه شاحبة، تباعدت بها المسافات وتعطلت المشاعر، أذكر وجه الساعدي وجمال الرقيق وخالد الدوادي ومحفوظ والشيخ عبدالله السوداني، لم يكن هناك مايجمع بين هذه الوجوه إلا الحظ العاثر، لن أستطيع أن أجد تفسيرا أكثر منطقية من ذلك لحالة مفارقة مسكونة بالفوضى، من مفارقات ذلك اليوم أن جل من كان بالحجرة أعمارهم لم تتجاوز العشرين، الشيخ عبدالله السوداني مغترب يدرس اللغة العربية بصبراته لم يعجب أحد المراهقين القاطنين بتلك المنطقة، فانتهى به المطاف بسجن ابوسليم. في داخل الفوضى واللامنطق تلك كانت بذور معنى جديد لكل شيء تتشكل في الأفق.
كان الشعور الذي يملأ المكان في الأيام الأولى هو أن هذا الوضع لن يطول بضع أيام وينكشف الغبار كان الجميع يحاول أن يسكن الأمل ويتواصل بالثقة، وكانت اللمحات والأشارات التي تعكس غير هذا المعنى تقمع وتنبذ، كانت حالة العجز الشديد تتحول في ذلك المكان إلى شعور بالتوكل والإيمان، رغم أن نفس الشعور مع التقادم ولد نقيضه، شعور باليأس وانعدام الحيلة، أنه فضاء العبث باللاشعور . .لاأستطيع أن أصف التلاطم والفراغ كيف أستطعا أن يتعايشا في داخلي في الأيام الأولى، عندما تتجلى تلك الحقيقة المرعبة وهي أن بإستطاعة شخص ما أن يسلبك كل حياتك، ويوقف كل نوابض الحركة بداخلك، ويدخلك في دوامة ترقب، مثل هذا التجلي يكشف أن الإنسان والمعنى بداخلك أشياء تسكن على قارعة طريق في حي مهجور لا يقطنه أحياء.   كان التغيير قد طال كل شيء في حياتنا، الأكل له توقيت، ولكل نصيبه، ، نتقاسم أرغفة الخبز، نجرب الجوع، كانت الألحفة مزيج من الغبار وبعض القماش المهترىء، كانت البدل التي نرتديها لاتقي ولاتحمي من برد أو حر. نمط حياة منزوع منه كل مايمكن أن يجعلك تحس بالألفة والارتياح، لكن مايجعل حياة السجن أمر مطاق هو تبلد الشعور وحالة الانفصام التي تعطيك القدرة على استنطاق كل شيء واستنتاج قرب موعد الانفراج.





















Sunday, December 20, 2009

عبث الذاكرة 3


عندما تم رصنا في المايكروباص إلى وجهة نجهلها، كانت حالة الجميع أقرب إلى الذهول، مشاعر مختلطة ووجوه يبدو عليها الخدر. لم تكن لدي مشاعر واضحة لم أكن خائفا ولكني لم أكن مطمئنا، لم أكن مرتاحا ولكني لم أكن قلقا، عدم الاستيعاب ومايشبه الصدمة هو مايمكن أن توصف به الاستجابة لتسارع الأحداث غير المنطقية واللامتناسقة....،كان الظلام قد بدأ يخيم، ولكن ذلك لم يكن كافيا، فتم تغطية أعيننا بخرق بالية، لم يكن هناك أحد يرغب في الحديث إلا بعض الهمهمات المتقطعة، كانت الطريق امتداد بلانهاية.

تمر ببالي صور متناثرة، أبي وهو يخبرني أن لاطاقة له وهو في هذا العمر على مقارعة الأيام، موسى العصفور1 بقميصه السماوي والسروال الأزرق وهو ينظِّر ويوجِّه بصحبة محمد ابوشعالة2، وإسماعيل البوراوي 3 بعمامته وهو يلتهب حماسا، الشيخ العقبي 4 يخطب لصلاة الجمعة وهو يحاكي الشيخ عبدالحميد الكشك،  صور لايجمع بينها إلا نمط الحياة لشاب في التاسعة عشرة من عمره يلاحق معنى عصي على الادراك في ذلك الخضم المتلاطم من التناقضات. كنت الطريق تبدو لي كما لم أراها من قبل، لاأذكر تفاصيل تسليمنا في السجن ولا كيف انتهينا في الحجرة رقم 5 في القاطع العسكري، ولكن أذكر أننا كنا أول الواصلين إلى تلك الحجرة، وإلى ذلك القاطع . في تلك الليلة بدأ الضيوف في التوافد على الحجرات وكان كل مايدور في عقلي أن مايجري هو خارج حدود الخمس دقائق







----------------------------------------------------------------

موسى العصفور شخصية ظهرت في الوسط المتدين، بدون معرفة جيدة بخلفياته، كانت لديه رؤية أكثر اعتدالا تختلف نسبيا عن السائد 1
2 محمد بوشعالة أحد الشباب المتحمس كان ذو ميول جهادية
اسماعيل ابوراوي أحد الشباب السلفيين كان مشهورا بمواعظه الحماسية 3
الشيخ العقبي كان أحد الوعاظ الحماسيين، والذي يشد الشباب له الرحال في يوم الجمعة في مسجد أبوسليم وكان مشهورا أنذاك بمسجد العقبي 4



Thursday, December 3, 2009

عبث الذاكرة -2

المكان مزدحم، عدد من الوجوه مألوف لدي، كنا نتجنب الحديث حتى لانوحي لذلك الشرطي الذي يراقب المكان بأننا نعرف بعضنا، ولنتجنب أعطأه أي مبرر ليتطاول علينا وحتى لايستخدم ذلك ضدنا، كنا متأكدين أننا مراقبون، كنا نجلس في مبنى بينما كانت التحقيقات تجري في مبنى أخر، كان صوت الأذان يصل إلى مسامعنا من مكبرات الصوت بمسجد مولاي محمد، فقد كانت مباني الأمن الداخلي مرتصة في شارع الجمهورية حول هذا المسجد، كانت الانطباعات باهتة والجميع لايدري مالذي يحاك لنا، فقد تم احضار مجموعة من الذين تم التحقيق معهم في الأيام الماضية مما جعل الجو يبدو مريبا،كان الجميع يرجع من التحقيقات مرتبكا فالأسئلة تبدو ساذجة وسطحية، كانت الماكنات فوق أكتافنا تطحن بلاهوادة، كلا منا يستحضر كل التفاصيل الصغيرة البريئة وغير البريئة التي قد يفاجأنا بها المحققون، كان الوجوم يعكس حالة من الاستغراق في الذات بحثا عن اجوبة لأسئلة قد تأتي وقد لاتأتي.
كان هذا التشابك بين القلق والخوف والترقب يتوتر ويتصاعد مع مرور اليوم واقتراب دور كلا منا للحديث مع أحد المحققين، أذكر النماذج التفصيلية التي كان علينا تعبئتها، وذلك الاستجواب الذي زاد من حيرتي بدل من أن يجيب عن أي من أسئلتي، فكان واضحا أنهم لايعرفون الكثير، حتى أسمائنا الثلاثية كانوا يجهلونها، ....كل مايمكن قوله أنه كان يوما متخم بالفوضى والقلق، ولكن من الجلي أن القصة لن تنقضي في خمس دقائق

Sunday, October 18, 2009

عبث الذاكرة 1

يبتدي السرد عند تخوم النهايات، فالقصة بدايتها لم تلتئم بعد مع نهاياتها، ولكن التفاصيل لاتنفك تتزايد وتتوالد وتعود إلى ملامسة الجذور، صباح ذلك اليوم لم يدر بخلدي أن أحداث ستنسج في رحم الأيام المتعاقبة، وكأن الزمن مرثية يتخللها بعض الفرح.
كنت أتوقع تلك الدقات بعد أن وصلت إلى بعض الدور المجاورة
، كان الجميع يذهب ويأتي، فلم أكن مرتعبا وإن كانت تنتابني أحاسيس بالخوف وعدم الإطمئنان، طاهر هو الذي أجاب على دقات الباب في ذلك اليوم، كان السائل  شابا في منتصف العشرينيات، كان لايختلف عن كل أصدقائي الذين أعرفهم، شابا به شيء من الوسامة كان يتكلم بلطف ووعد الجميع أن الموضوع "سيستغرق خمس دقائق فقط" مجرد تجميع معلومات وملأ بيانات وسأعود إلى دياري سالما، كان أخي الأكبر مرتابا ولكنني طمأنته بأن كل من ذهب رجع في نفس اليوم، فطلب منهم أن يقوم هو بتوصيلي إلى هناك. نعم هناك تفاصيل أكثر من ذلك ولكن لا أظن أنها ستهم أحدا، فاليوم كان يوم جمعة وأنا أجهز نفسي للذهاب إلى صلاة الجمعة، كنت أستحم عندما دق الباب ذلك اليوم.هل هذه التفاصيل تهم أحدا، لاأدري، كانت نتائج الامتحانات الفصلية للسنة الأولى قد أعلنت وكانت درجاتي أعلى من المعدل بقليل،  بعد سنة صعبة في إعدادي طب بشري،، أذكر المزاح الذي دار في اليوم الذي سبقه بيني وبين فتحي ونجم الدين وشلة أخرى من الأصدقاء
 كنت أتوعدهم بأني راجعا بقوة للمنافسة، وأذكر كلمات نجم الدين  متمنيا أن يحدث لي مايأخرني مرة ثانية حتى لاأحقق ماأتوعدهم به  تفاصيل أخرى تتزاحم الأن في ذاكرتي لن أضجركم بها...كلما مايهم الأن أن أكرر أن الضابط الذي زارني وعد بأنني سأعود بعد خمس دقائق....

Wednesday, September 23, 2009

The American media - Art of deceive

everyday I turn-on my TV to watch the news, the bold fact of biased media hit me hard. It's understandable that each news channel, or news paper represent a point of view, but what's amazing in the American media is the obvious consensus on certain issues, which stands against the common sense of human difference in approach and thinking.
The most revealing example is the middle east issue, where Israel is all the time beyond and above criticism, and on the middle of the moral and ethical crisis of the international consciousness upon Gaza invasion, the American big news channels CNN, FOX, ABC, NBC all went deaf and blind. the other issue is the Iran Nuclear missiles, while the American media never mention the Israeli huge nuclear power, they over emphasis the Iranian efforts to have nuclear power, in proportion to the balance in the region. lately the way the media addressed the release of the Libyan citizen accused by the explosion of PanAm airflight, the media never mentioned the controversy still ongoing about the validity of the accusation, but the release and the way he was greeted after arrival to Tripoli both were in the hot spot, and many of the comments made were mere inflammatory non rational impressions and feeling about the issue.
The way to conduct news broadcasting in the major news channels and news paper still lagging behind the expected from the nation of freedom and reason, and most of the time it represents the interest of small powerful groups rather than the professional unbiased discussion about these inflammatory issues, and it doesn't seem it would get better any time soon

Friday, September 4, 2009

هلوسات جديدة

نجتاح المكان ونبحث في ثناياه عن اسرار ألف ليلة وليلة

يبقى المكان متوسدا أسراره متعاليا عن كل دخيل

نتعثر ونحن ونخطو في تفاصيل العدم

يبقى العدم متماسكا في اللاهناك

بين البواكي والشواكي ألاف القصص

كل الطرق تعشق المسير والنهايات رمزية رهن الأثير

والفرح مرثية في حناياك الحزينة

وعذوبة الكلمة لن تعفي الشجن

تتدرج الكلمات نبعا من أناك

ويبقى السؤال متدثرا بالحيرة وسط قارعة الطريق

Friday, September 12, 2008

لا ياسيد سيف

الخطاب الاخير للسيد سيف الاسلام عكس كثير من المسائل المربكة في رؤيته لماجرى ومايجري في ليبيا،فالسيد اعتبر ان دوره قد انتهى بعدماقام به من تفكيك لصراعات او قضايا كبرى تمر بها البلاد، وان القضايا المهمة المتعلقة بالاصلاح قد تم طرحها بالشكل الصحيح وتم وضع قطار التغيير على سكته الصحيحة. وفي الحقيقة تعكس هذه التصريحات جملة اشكاليات مركزية لايمكن تسطيحها او اهمالها:أول هذه الاشكاليات هي اشكالية ان الصراعات المدعى حلها هي تجليات لسياسات صاغاتها يدا المدبر الاوحد للسياسة الليبية، وبالتالي فالحلول ينطبق عليها توصيف يداكا أوكتا وفوك نفخ، وماقام به السيد سيف هو اخراج النظام السياسي من المأزق الذي ورط فيه نفسه في فترة مراهقته السياسية، فمن يمن عليه السيد سيف ليس الشعب الليبي بل المنظومة السياسية الحاكمة. الشعب الليبي كان طوال الوقت ضحية الشعاراتية والنضالية التي كانت مدار الخطاب السياسي، والمواطن كان ولايزال يعيش عزلة سياسية حقيقية داخل ليبيا استجاب لها بتبنى موقف لامبالي، واستطاع المواطن الليبي التعايش مع الوضع القائم باعاد ترتيب اولوياته وصياغة قيمه الخاصة لتتناسب مع حالة الاقصاء والاحتكار السياسي. نعم تلك الاشكاليات لم تؤثر فقط في المنظومة الحاكمة بل تأذت منها جموع الناس، فحيثما تسافر لاتجد من يحدثك عن ليبيا بل الجميع يحدثك عن مغامرات العقيد القذافي وكأن قدرنا نحن الليبين ان نعيش حالة وصمة من جراء غرابة اطوار ورؤى وسياسات العقيد، وأصبح المواطن الليبي مشتبها فيه اينما ذهب بسبب ذلك.



الأمر الثاني هو إغفال حقيقة تاريخية مهمة تضع كل مايجري في سياقه الصحيح، النظام السياسي الليبي استلم ليبيا كدولة وقام بتفكيك مراكز القوى والنفوذ داخلها ليعيد صياغتها مع مشروعه الخاص، وصاحب ذلك العبث السياسي، تفكيك لمؤسسات الدولة وإقصاء التكنوقراط من إدارة شئون الدولة، وإبدالهم بالموالين الذي كانوا مجموعة من الشباب المغامرين المتحمسين الذين لايملكون الكفأة اللازمة لاتمام عملية الاستبدال بشكل سلس وانسيابي، فاستسلمت الدولة لصراع وهمى بين قوى التقدم وقوى الشد إلى الوراء "الرجعية" ونصب الثوريون المشانق وملأوا السجون بخصومهم السياسيين، ولم يحاول النظام السياسي أن يؤهل نفسه خلال فترة حكمه الطويلة، بل استسلم لعطالة خلقت ،حالة شلال منقطعة النظير، ترتب عليها جمود وتوقف الحياة في أركان الدولة مما أدى لتدهور أوضاع الناس، فلم تعد هناك مواصلات عامة وتخبط قطاعي التعليم والصحة، وانعدامت الدافعية في حياة الناس بعد تأميم القطاع الخاص، فعندما يتكلم السيد سيف الآن عن النغيير والتصحيح فإنما يتكلم عن إعادة الأمور إلى نصابها ومايطلبه الليبيون الآن هو أن ترجع المنظومة الحاكمة ليبيا إلى الوضع التي استلمتها فيها، لايطلب الليبين أكثر من مدارس تهتم بأولادهم، ومستشفيات يمكنها أن تأوي مرضاهم ومواصلات عامة تكفل سلامات حركتهم وأمان في حياتهم من المغامرين السياسيين الذين باستطاعتهم العبث بحياة الناس بدون حسيب أو رقيب..الخ كل هذه المطالب كانت موجودة في ليبيا الملكية، الليبين لايطالبون الآن بدولة عصرية، من حيث نظامها السياسي أو الاقتصادي ولا من حيث تركيبتها الاجتماعية فتلك مرحلة لاحقة الليبيون ليسوا بصددها، فبالتالي عندما يمن علينا السيد سيف بأنه أعاد عربة الاصلاح إلى مساراها هو لايمن علينا نحن الليبين بشيء، إنما هو مرة أخرى يحلحل أويحرك مشاكل مزمنة متراكمة للنظام السياسي.



سيد سيف الإسلام نحن مؤمنون بقدر ليبيا ولن نقرأ الأحداث من ذلك المنظور الذي يحاول أن يقنعنا أن ماقمت به هو من أجل الليبين ولصالحهم، سيد سيف أن الانسحاب الآن يعري تماما الدور المناط بك من إجل استمرارية حكومة سرت حكومة القبيلة


تحياتي

بداية حلم

هأنذا أقف على هرم العالم محاطا بكل ماحلمت به، لاأكترث بكل مايجري حولي، مستغرقا في نحت التفاصيل الصغيرة لعالم لاتعوزه التفاصيل. أمارس عبثي بالوقت الذي أصبحت أمتلك منه الكثير ، الوقت الذي كان ينساب من بين أصابعي وأنا أرى الاخرين يمارسون الحياة وأنا أمارس سأم المراقبة. أحد العبثيات التي مازالت قادرة على استفزازي هي استحضار المفارقة بين الحياة داخل جدران حجرة مقفلة تحاول التعايش مع أناس يمارسون عبثية الحياة بقواعد تختلف عنك، والحياة وأنت تملك وتصنع قدرك في عالم احتمالاته لامتناهية...أحيانا يبدو التباين عصي حتى على الحلم، داخل جدران زنزانتي الضيقة ، كانت أكثر أحلامي وحشية وتمردا لاتستطيع أن تأخذني إلى أبعد من جدران بيتنا وكليتي البائسة ، كان الحلم محاصرا بواقع يمتص الحياة من كل عرق ينبض بداخل الإنسان، كانت أحد قواعد البقاء أن تلتصق بالأرض ولاتحلق، فالسقوط تزداد وطأته كلما أمعنت في الارتقاء، كان الحلم أن تستعيد حقك في الحياة والبقاء،
كان الحلم أن ينحصر عبث الأخر بك في حدود الزمان والمكان ولايتمادى إلى أشياء أخرى، كان الحلم أن تجد كتابا تقرأه أو ورقة تكتب فيها ماتؤمن به وماتعتقده. لم يكن الإغتيال منحصرا في امتدادات الحلم، بل في كل قيمة حاول الجميع أن يقدسها لديك، السجون عدوة الحق والخير والجمال...ومهما حاولت القفز وتجاوز هذه الحقيقة بالبحث عن ماتبقى في القيمة في أكوام الرماد المنتشرة بالمكان لن تجد ألا مخلفات حرب غير عادلة وقبيحة.
يخبرك كل من عاش يوما بالسجن أن القيمة المطلقة في حياة الانسان هي الحرية، مثلما يخبرك من جرب الجوع أن القيمة المطلقة هي إشباع الاحتياج، ولكن تظل القيم بغض النظر عن تفاوتها مذبوحة ومسلوخة على جدران السجون في عالم الإنسان الذي يستطيع أن ينفيك لمجرد إعتقادة أنك قد تهدد مصالحه..............وللحديث توابع

Saturday, August 4, 2007

الديانة الخاتمة....أسئلة محيرة





وصف ديانة ما بأنها الخاتمة، يضعنا مباشرة أمام كم هائل من الأسئلة، لايمكن تجاوزها أو المحاولة العبثية لتلفيق إجابات لها
فما كنه علاقة هذه الديانة بباقي الأديان السابقة لها؟ وماطبيعة علاقتها بعموم البشرية؟ ومالذي يترتب عن كونها خاتمة (أي إمتنع تجدد الإتصال الرسالي مع السماء)...ويتفرع عن كل سؤال مجموعة أخرى من الأسئلة تعكس تشابك وتداخل محاور الموضوع
هذه التساؤلات تضعنا في إرباك معرفي حقيقي حول دلالة هذا الإدعاء ومايستوجبه من مدعيه ومايترتب عليه من تغير في طبيعة العلاقة مع السماء، والطبيعة البنيوية والوظيفية لهذه الرسالة الخاتمة

إذا ذلك التفاخر الدائم للمسلمين بكون رسالتهم هي الرسالة الخاتمة، يضع أمامهم تحدي حقيقي حول مضمون هذا الادعاء و في الخصائص التي تجعل رسالتهم مؤهلة لتكون على مستواه ؟
ويجب علينا أن نتفق منذ البداية أنه لكي تكون الرسالة كذلك. لابد لها من أن تحترم مجموعة مسلمات مبدئية، مثل حقيقة الإتفاق والإختلاف بين الجماعات الإنسانية المختلفة، ولابد لها أيضا من أن تكون تعاليمها تحمل توافق تام مع حقائق الكون والإنسان والحياة، ولابد لها من أن تحتوي على حيوية هائلة لكي تحقق الإشباع الحقيقي لتلك الروح البشرية التائهة والضائعة أمام ضغوط الحياة والإنسحاق الكبير أمام الحتميات الكثيرة التي يتعرض لها الإنسان
أظن هذا التحدي يضع كل ذي لب (بالمعنى التراثي) أمام وضعية غاية في الحساسية والحرج فلنبدأ برسم بعض ملامح هذا التعقيد الذي
يرتقي في درجته إلى درجة العماء ولن تنفع كل الأدبيات الشائعة الإختزالية في التخفيف من حدته.
· الطيف الثقافى (تنوع – تعدد – إختلاف – تناقض): لكل جماعة بشرية محدداتها الثقافية التي تصنع المعنى أو تنفيه، بحيث مايعد مقبولا عند جماعة ما، قد يكون من أشد التعابير إستهجان وإنتباذا عند جماعة أخرى فبالتالي هل ستكون الديانة الخاتمة قادرة على التعامل مع هذا التنوع أم ستتعامل معه بروح النفى والإقصاء والاستهجان
المشترك الإنساني وإنتفاء التناقض: الديانة الخاتمة موجهة لعموم الناس وهذا يتضمن وجود مساحة ملزمة لجميع الأفراد و الإلزام الممكن الإتفاق حوله يكون عادة في المشترك الإنساني، ولكن الأسئلة ستبقى قائمة حول ماهو معيار ومقياس الإشتراك والمعقولية. إن الرسالة الخاتمة لابد لها من أن تحمل في طياتها رؤية أو تصور ما للمشترك الإنساني قابل للإتفاق حوله، بحيث يتم التعامل معه كأحد الأرضيات الأساسية لبناء الصرح التوجيهي الديني
· النفس البشرية (الإنقياد – التمرد): الخطاب الذي سيوجه لكل البشر، ومن المفترض أن تكون طبيعته إحتوائية لكافة أشكال الإختلاف الناشيء عن التنوع داخل الطيف الإنساني، بمعنى قدرته على مخاطبة النفس البشرية وإقناعها بجدواه وضرورته، بحيث تقوم الحجة ويغدو الخروج عن مضمونه سفه بإتفاق العقلاء (؟؟)، ولابد لهذا الخطاب من أن يستوعب حقيقة وجود نزوع للتمرد متجذر داخل تلافيف النفس البشرية، بحيث إن الحرية والتخلص من كافة أشكال القيود هو جزء من التوجه الفطري، والرضى بالإلتزام والإنقياد للتعاليم يحتاج من الإنسان مجهودا يجد مبرراته في مدى الإقتناع والرضى ومن هنا فالسؤال سيظل قائما على مدى إلتزام هذه الرسالة بروح الحوار والاقناع من أجل إخضاع الأفراد لمضمونها
النفس البشرية والتطلع للأعلى ( النزوع للحرية):أحد الأسئلة المهمة هو مدى احترام الديانة الخاتمة لحقيقة كون الإنسان المفرد وحدة متكاملة، تستطيع القيام بجل وظائفها الحيوية لوحدها، وهي تحمل داخلها نزوع فطري للحركة بإتجاه ماتظنه الأفضل، ووجود الإنسان داخل الإطار الإجتماعي –من المفترض- أن يشكل فارق بإتجاه الأفضل، والإلتزام بأي قيمة أو مبدأ لابد من أن يتماشى مع هذا النزوع وأن يحترمه، فلايتم خرق الحدود والفواصل المميزة بين الفردي والإجتماعي، والتوجيه والحرية - بالمعنى المعبر عن النزعات الفردية
المعلوم/المجهول والبدهي/المثبت: لابد لهذه الرسالة من أن تحترم ماهو متقرر ومعلوم في الواقع الإنساني، وأول هذه الحقائق المقررة هي الإنسان ذاته (بمعناه المقاهيمي المشترك)...أي أن بدهيات الوجود الإنساني يفترض بهذه الرسالة ألا تأتي على خلافها وإلا فستكون قد نقضت أحد الخلفيات الرئيسية التي تشكلت عليها، مما يكر عليها ( أي الرسالة) بالإبطال
· الأنساق الإجتماعية مفهوم الحركة في الأبعاد (الزمان –المكان): أشكال التعالق الإجتماعي المختلفة لها منطقها الخاص وقوانينها الموجهة، وكل ذلك يجد معقوليته في مفهوم المصلحة (بالمعنى الموسع والذي يدخل فيه الإشباع النفسي والإجتماعي، والرصيد الإجتماعي والإيماني....)، بحيث أن فهم أو محاولة مقاربة العلاقة الإجتماعية لابد له من أن يضع هذ الأصل في الحسبان، بحيث لا تتحول العلاقات الإجتماعية إلى تثقيل غير معقلن وتخشب في الحركة والتواصل...وبالتالي لابد من الإنطلاق من خلال إستكناه وتبين الواقع التعالقي الإجتماعي وماطبيعة المصالح الموجهة له، وماهي الأولويات فيما بينها، فماهي الكيفية التي ستتعامل بها الديانة الخاتمة مع هذا التعقيد الاجتماعي وهل ستتحول في بعض مستوياتها إلى نص من أجل تنميط التفاعل الانساني وكبته
هذه بعض المحايثات التي ترفع من درجة الحذر والتوجس من ممكنات التاريخ إذا ماتم التسليم لرسالة ما بأنها خاتمة، ولكنها لسبب أو لأخر تحولت إلى أيديولوجية أمة أو شعب أو طائفة ما، بحيث يوظف هذا الشعار من أجل الإعلاء من شأن ذلك التجمع الإنساني المعين على حساب باقي التجمعات الإنسانية المطلوب منها الخضوع أيضا لتلك الرسالة!!!!نجد أنفسنا هنا أمام إحتمال توظيف الحقيقة وتسييسها ومن ثم سرقتها لتصبح أداة تابعة خادمة لا أداة موجهة لما فيه صالح المجموع البشري
هنا لابد لنا من أن نسلم بحق الإنسان الأخرفي السؤال عن الضمانات الفعلية التي وفرتها هذه الرسالة له لكي تحافظ على كرامته الإنسانية بغض النظر عن كونه تابعا لها أم لا؟ وماهي صيرورته في حال عدم إقتناعه بفحواه؟ أو عدم تسليمه لها؟ هل ستتحول إلى أداة من أدوات التدجين والقمع؟ وتكون هذه الرسالة ساحة مفتوحة للصراعات ام أنها تحوي بداخلها آليات فعالة تمنع تحولها إلى أداة خادمة لمصالح مجموعات بشرية على حساب الأخرى، وتكون صوت للسلم والتعاطي الإنساني بين البشر لا بوق لإثارة النعرات والخلافات لمجرد الإختلاف والرفض!!؟؟ وفي الحالة المعينة التي نحن بصددها أي الإسلام: هل نجد أن الرسالة التي رفعت هذا الشعار قد حوت نظريا وتاريخيا مثل هذه الضمانات؟؟؟

Monday, July 30, 2007

في البدء كان الإنسان - 7

الإنسان والله..هوامش معطلة

العلاقة المفترضة بين الله والإنسان علاقة متعددة الجوانب والحيثيات والإتجاهات والمترتبات، والتي يمكن الإشارة إلى بعضها هنا، إثراءاً للموضوع وتوسيعا له
حق الإنسان في مقابل حق الله
إستفاضت كتب التراث الإسلامي ببيان حق الله على عباده، بحيث إستطاعت بإقتدار أن ترهن حياة الإنسان بالكامل لهذا الحق ، وألزمت الإنسان داخل منظومتها النظرية بالحركة في إتجاه واحد وهو الجنة، خالقة تاريخا أسطوريا، تكون الحركة داخله بكل ظرفيتها متعالية عن المحددات التاريخية الزمنية لصالح محددات الإيمان والمآل، وإستطاعت أن تبرر شقاء الإنسان لا بأسبابه الوضعية والأرضية بل بمنظومة غيبية غائية، وإستطاعت أن تحول الطاقة التغييرية للإنسان داخل التاريخ الأرضي إلى طاقة تعبد وتبتل متسامية بالإنسان عن أوحال الدنيا وزخارفها، وسوغت كل الظلم الذي يرزح تحته الإنسان من أخيه الإنسان بالمعاصي والخطايا التي يرتكبها الإنسان، بحيث يصبح مانتعرض له هو إمتحان من الله لنا هل نرجع أليه أم لا!!،وإستطاعت أن تدخل في العقول بأن الأوبة إلى الله بمعناها الغيبي اللاهوتي هي طريق الخلاص الأرضي والأخروي، أما رفعة المخالفين (الكفار) في الأرض فهي لاتعدو أن تكون إستدراحا لهم وابتلاء لنا؟؟؟
منظومة التفسير والتوجيه هذه هي مايحرك العقل الإسلامي للأن، ويظهر ذلك واضحا جليا في الخطاب المكرور الذي ترفعه المرجعيات الدينية حتى هذه اللحظة (والمبني على الثقة في غيبة العقل النقدي والتاريخي (بمعناه الأنسي) الذي يكون بإمكانه إختبار هذه المنظومة للتحقق من تطابق دعواها مع مضمون التجربة النواة وحقائق الحياة والتاريخ
وفي داخل هذا الصخب تم تجاهل وتغييب حقوق الإنسان على الله، بل في واقع تفرد الخطاب اللاهوتي تم إنكار وجود حقوق للإنسان على الله، من داخل رؤية ترى أن ليس للعبد حقوق عند معبوده؟؟؟، وقالوا أنه لايجب على الله شيء، وفهم الإيجاب على أنه إخضاع للإرادة الألهية لحتميات من خارجها، مما يتنافى مع إطلاقية هذا الذات. أي أن المنحى الذي إتخذه هذا الحوار هو للإتجاه اللاهوتي مرة أخرى، بحيث تم تجاهل الموضوع الأساسي لحساب مظنة التنزيه؟؟؟!!!!، أما الإنسان الذي أنزلت من أجله الشرائع ووضعت الأديان مراعاة لإحتياجاته ومتطلباته وسعيا لإنصافة ولتحقيق حريته وكرامته، فلقد كان المهمش الأبرز في كل هذا الحوار، بحيث أننا نجد جدل كبير داخل كتب علم الكلام حول حرية الإرادة لا لتأكيد حق الإنسان في الحياة الحرة الكريمة بل لإثبات إستحقاقه للمحاسبة في الأخرة ضدا للجبرية التي كانت تنظر للفعل الإنساني كمحصلة لمشيئة السماء وإرادتها؟؟
إن المديونية التي عاشها هذا الوعي للفكرة الدينية منعت الرؤية الأخرى من البروز والظهور، فالإعرابي الذي صنعت منه هذه الفكرة بطلا لتاريخه الخاص، ماكان يستطيع الفكاك من أسرها، بحيث تلون كل شيء بصبغتها ولا حلول تتبدى له خارج أطرها وأفاقها...أنه العقل اللاهوتي عندما يفرض إيديولوجياته ويعممها، بحيث لابد للجميع أن يتصارعوا داخلها، مع الإتفاق الصريح بين الجميع على مروق وشذوذ من طرح الخلاف على أرض غير هذه الأرض
حق الإنسان على الله، لن نتورط في التبرير له من خارج مساحات الوعي الذي أنتج المسألة الدينية برمتها. منذ البداية عند طرح مسألة الإيمان: نجد أن القطبين دائمي التكرر هما الله واليوم الأخر، وكأن في ذلك إشارة إلى أن معقولية العمل الصالح الذي يأتي مرادفا لهما متأتية من خلالهما....أي أن الإلزام الذي يقوم على الإنسان من أجل قيامه بالعمل الصالح هو في حقيقته تعبيرا عن وعي الإنسان بمصلحته في الدنيا والأخرة والتي يتهددها عدم إلتزامه بهذا العمل الصالح...أي أن المصلحة هي أساس السلوك، وتعمل المنظومة الدينية على الإستفادة من هذه المسلمة لكي توسع مفهوم المصلحة بحيث تشمل العاقبة والمآل (يوم القيامة)....إذا منذ البداية تتأسس المنظومة الدينية على منطق معقلن تقع المصلحة في قلبه. هذه المصلحة في جميع الأحوال مستحيلة التحقيق إن لم تحترم حاجات الإنسان وغرائزه وحتمياته (المشترك الإنساني بشقيه المادي والمعنوي)، ولا يعقل أن تتأسس منظومة على مفهوم ثم تأتي التفاصيل لنقضه (من المشكل الإفاضة في الحديث عن البدهيات
علاقة القهر والغلبة في مقابل علاقة الحنو والمحبة
النموذج السائد للعلاقة بين الله والإنسان هو نموذج الغلبة والقهر والسلطان والعبودية.... أما النماذج والأشكال الأخرة للعلاقة فهي غائبة أو مغيبة مع صدقيتها وأولويتها على هذا النموذج، وسأورد هنا أحد هذه النماذج كإشارة لممكنات العلاقة وأفاقها، أنه نموذج الحنو والحب و الرحمة الذي شبه فيه صاحب التجربة النواة الله بالأم، وأنه سبحانه أشد حنوا على عباده من الأم على أبنائها...ماهي بعض الأفاق العلائقية لهذا النموذج؟...منذ البداية يفصح هذا النموذج عن نفسه كدفق متجدد من الرحمة الفائضة واللامتنهية للذات الإلهية على عباده، بحيث تغلب محبته على سخطه ورضاه على غضبه ورفقه على شدته، وحنوه على سطوته...إن صورة الله في هذا النموذج صورة متأسسة على تفصحات وتجليات رحمته وحبه لعباده، والتي لا تدع مجالا لتلك الصورة المغايرة التي يرسمها النموذج السائد لرب سريع النقمة والغضب، ينتظر من عباده الهفوة والزلة ليعاقبهم عليها والذي لايرضيه شيء من عباده، فلو أمضوا حياتهم كلها سجودا له لما وفوه حقه، فهو الممتن والمتفضل في كل الحالات وفي جميع الأحوال...
إن الله في نموذج الحنو الرحمة لايعاقب عباده إلا رفقا بهم وإصلاحا لأمورهم، وعقابه لهم هو لتمديهم اللامتنهي على كل المقدسات والتي يقع على قمتها حقوق عباده على بعضهم، إنه رب الشفقة الذي لاتنفعه طاعة ولاتضره معصية، وإنما ترجع على فاعلها وبني جنسه، وهو ربهم الرؤوف بهم الذي يغفر لأدنى سبب، بحيث تجاوز عن كل ذنوب عاهرة لأنها أتعبت نفسها وسقت كلبا، إنه رب الرفق بكل كائناته
والشريعة التي تأتي من هكذا إله لابد لها من أن تأتي على الرفق والإشفاق بالإنسان من نفسه ومن أخطائه، فنجدها تدور مع مصلحة الإنسان وجودا وعدما، ولكن بمعنى جديد للمصلحة، إنه مصلحة الدنيا والأخرة، والدنيا هنا قائمة على القوانين والسنن الكونية، فهي مرتهنة بها وقائمة عليها....إنها شريعة العقل والعلم والإنسانية، لا كالشرائع المحرفة التي أضاعت منطقها الخاص لتتبع شكليات وتفاصيل لم ترد لذاتها مطلقا، وإنما كانت خادمة لما حولها من أسس وقواعد تحاول الإرتقاء بالإنسان والوصول به إلى كماله الإنسي والغيبي...
هذين المحورين الذين تم الإشارة أليهما يوضحان الأفاق الكثيرة المحتملة ولكن المغيبة للمنظومة الدينية، والتي ظلت سجينة رؤى خانقة ومشوشة وقامعة لكل ماهو أنسي وظرفي لحساب الغيبي والإطلاقي